كُتَّابنا

والمجد للرجال والنساء والزيتون

بواسطة | ديسمبر 30, 2023

تناولت الأسابيع الأخيرة، تصاعد الأوضاع المأساوية في غزة، حيث تتعرض المنطقة لهجمات بربرية منذ أكتوبر الماضي. لكن الواقع يظهر أن القوة العسكرية الباغية، وهي جيش الاحتلال الإسرائيلي، تعيش أيضًا في سياقات مأساوية.

وحشية الهجمات والواقع المأساوي

نعم، الأوضاع مأساوية في غزة، التي تتعرض لهجمات بربرية منذ الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر المنصرم، ولكن القوة الباغية -جيش الاحتلال الإسرائيلي- يعيش أيضا في أجواء مأساوية.

فقد اعتاد ذلك الجيش في حروبه الكثيرة على دول الجوار، أن يحقق غاياته التوسعية في غضون أيام معدودة، فإذا به اليوم يشن حربه على غزة بكامل عدته وعتاده، مستنفرا جنود الاحتياط، ثم يكتشف أن تحقيق نصر على أصحاب الأرض دونه خرط القتاد؛ وها هو العالم يصفق لبسالة المدافعين عن الأرض والعرض، وتشهد على ذلك كافة منصات التواصل الاجتماعي، برغم تعمد فيسبوك وإكس (تويتر سابقا)، حجْر كل ما فيه تضامن مع فلسطينيي غزة، أو فيه إدانة لجرائم إسرائيل، ومن يزور موقع تيك توك سيرى كيف انبرى آلاف الأمريكان والأوربيين لفضح تلك الجرائم، وما ذلك إلا لأن المنصة غير مملوكة لجهة أمريكية.

فشل استراتيجية التوسع الإسرائيلية وتأثير الصمود الفلسطيني

والصمود الغزّاوي على خطوط النار، لم يكلف جيش الاحتلال فقط مئات الضحايا، بل استنزف قدراته “الهائلة”، وجعله يستجدي المدد من الكفيل الأمريكي؛ ويقول البروفسير استيبان كلور، أستاذ الاقتصاد في الجامعة العبرية، وكبير باحثي معهد دراسات الأمن الوطني والإستراتيجي في إسرائيل، إن استمرار التصعيد العسكري فى قطاع غزة كبَّد إسرائيل ما يعادل إجمالي إنفاق إسرائيل على الأمن والدفاع طيلة الأعوام العشرين ما بين عام 1973 و1993، ولم يقصِّر الكفيل، فقد رفد آلة الحرب الإسرائيلية حتى الآن بعشرة مليارات دولار، وتشكيلة ضخمة من العتاد الحربي، لتُضاف إلى الـ 158 مليار التي قدمها لإسرائيل منذ عام 1948، ويجدر بالذكر هنا أن واشنطن وتل أبيب دخلتا في اتفاق في العام 2016، تحصل إسرائيل بموجبه على 38 مليار دولار أمريكي كل عشرة أعوام، إلى جانب منحة مالية سنوية أمريكية بقيمة 3,3 مليار دولار، ومعها 500 مليون دولار أمريكى لرفد مخصصات مشروع برنامج الدفاع الصاروخي الإسرائيلي.

الدور الأمريكي وتحالفه مع إسرائيل

أبدى كتاب عرب كثيرون دهشتهم وامتعاضهم، لأن الولايات المتحدة اعترضت خلال آخر جلسة لمجلس الأمن الدولي على مقترح بوقف حرب إسرائيل على غزة، ومارست ضغوطا هائلة، من بينها التلويح بحق النقض (الفيتو)، في وجه أي قرار يوقف العدوان، حتى استصدرت قرارا ينص فقط على توصيل المعونات الإنسانية إلى غزة. ودهشة هؤلاء الكتاب هي التي تثير الامتعاض، لأنها تشي بأنهم فوجئوا بالموقف الأمريكي، مع أن تاريخ الولايات المتحدة كاملا هو سلسلة من الجرائم في حق شعوب كل القارات، ابتداء من قيامها على جماجم نحو مائة مليون من سكان البلاد الأصليين، ما بين عام 1635 وعام 1900، ولن يغفر التاريخ للأمريكان أنهم صبوا عشوائيا 3900 طن من القنابل الحارقة على مدينة دريسدن الألمانية، والحرب العالمية الثانية في خواتيمها، ودمروا 34 كيلومترا مربعا من المدينة، وقتلوا 35 ألفا من سكانها في غضون ساعات.

وعلام يندهش إنسان من انحياز الولايات المتحدة إلى إسرائيل، وتشجيعها المرة تلو الأخرى على البغي والعدوان، وجروح أهل أفغانستان والعراق التي تسبَّب فيها الأمريكان ما تزال تنزف بغزارة، وما زال سكان جزيرتي هيروشيما وناجاساكي اليابانيتين يعانون من ويلات الإشعاعات المتبقية من قصف أمريكا لهما بالقنابل النووية في أغسطس من عام 1945، وما زالت جماجم ثلاثة ملايين فيتنامي تشهد على جرائم الحرب الأمريكية، وما زالت غابات فيتنام عارية من الخضرة، بعد تعرضها للقصف بالمواد الكيميائية (ديوكسين تحديدا)، و500 ألف طن من القنابل الحارقة؛ أما في كوريا فقد هلك خمسة ملايين من المواطنين، بسبب الحرب التي أشعلتها واشنطن بين شقي الدولة في عام 1950.

الرأي العام العالمي والتضامن مع غزة

والشاهد هنا هو أن (شنًّا) الأمريكي ظل على الدوام يوافق (طبقة) الإسرائيلية، فكلاهما ولد سِفاحًا (بكسر السين)، وشب عن الطوق سَفّاحا (بفتح السين وتشديد الفاء المفتوحة)، وها هو صمود غزة يكشف سوءتيهما أمام الرأي العام العالمي، الذي يشهد بأن قنابل الأمريكان الذكية وقاذفات القنابل وراجمات الصواريخ لن تكون ندًّا لمقاتل يدافع عن الحق والشرف، والعامل الحاسم في الحروب يشكله البشر، وليس أدوات القتال، وبشر غزة يدافعون عن وطنهم، وأرجلهم مغروسة في تراب يضم رفات الأسلاف، وظهورهم متكئة على بطولات عبر القرون، ومن  تُكتب له الشهادة منهم يموت واقفا وشامخا كأشجار الزيتون.

رحم الله الشاعر المجيد أحمد مطر القائل:

نموت كي يحيا الوطن
يحيا لمن؟ نحن الوطن
 إن لم يكن بنا كريماً آمناً
 ولم يكن محترماً
 ولم يكن حُراً
فلا عشنا.. ولا عاش الوطن!

جعفر عباس

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تابعنا على حساباتنا

مقالات أخرى

الإجابة على سؤال: لماذا طوفان الأقصى الآن؟

الإجابة على سؤال: لماذا طوفان الأقصى الآن؟

تسلّط هذه المقالة الضوء على سلسلة من الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى ومحاولات تهويد مدينة القدس، بما في ذلك تقرير حادثة "طوفان الأقصى"، وكيف كانت هذه الحادثة تعبّر عن تصاعد التوترات والاعتداءات الصهيونية. الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى: من الاحتلال إلى...

قراءة المزيد
صمت الفيفا والمعايير المزدوجة

صمت الفيفا والمعايير المزدوجة

تسلّط هذه المقالة الضوء على انتهاكات الكيان الصهيوني في قطاع غزة، خاصة فيما يتعلق بالمجال الرياضي والتحديات التي يواجهها الرياضيون في هذا السياق. انتهاكات الكيان الصهيوني لحقوق الإنسان في غزة: الرياضة تحت الهجوم ارتكب الكيان الصهيوني كل أنواع جرائم الحرب، وانتهك كل...

قراءة المزيد
الشهيد الساجد

الشهيد الساجد

تميزت غزة بشهدائها البواسل الذين قدموا أرواحهم فداءً لأرضهم وعزتهم. يعكس هذا المقال حكاية الشهيد تيسير أبو طعيمة واللحظات البطولية التي عاشها، فكيف كان يواجه تحديات الحياة والموت بروح الصمود والتضحية؟ تيسير أبو طعيمة: صورة بطولية تحفز على التضحية والصمود في وجه الظلم...

قراءة المزيد
Loading...