الشعراء الشهداء

مقالات مشابهة
-
حين تحولت غزة لحجر عثرة
منذ بداية العدوان الصهيوني على غزة، أصبح واضحاً...
-
عن قفزة “المُقاوِم”
التأثير الإعلامي للصورة على وسائل التواصل تعتبر...
-
أثر التدريس في إنشاء القادة.. صورٌ من المدارس الإصلاحية الزنكية
تسلَّط المقالة الضوء على دور المدارس الإصلاحية،...
-
عن اغتيال سامر أبو دقة.. وأسئلة في مادة “القانون الدولي”
نعرض هذا المقال لتقرير صحفي حول حدث مأساوي في...
-
أحفاد أبي رُغال!
تتناول هذه المقالة قصة "أبو رُغال" الذي خان ودل...
-
من بلاط الشاه إلى سجون الثورة.. شهادة مثقف على تحولات إيران
مختصر المقال تتناول هذه المقالة مذكرات المستشرق...
مقالات منوعة
في هذا المقال، سنستعرض دور الشعر والشهادة كعنصرين مرتبطين في تاريخنا الإنساني، حيث يتناول الشعر الوجداني والتعبير الفني، بينما تُعتبر الشهادة موقفًا حقيقيًّا ينبع من المبادئ والقيم. سنلقي الضوء على تلاقي هاتين الجوانب في سياق شاعريين استثنائيين: الصحابي عبد الله بن رواحة والشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود.
الشهادة والشعر: تلاقٍ فني وأخلاقي
الشعر خيال، أو قلْ: ما لم يكن فيه خيال فليس بشِعر؛ والشهادة حقيقة، أو قلْ: هي موقف حقيقيّ.. والشعر كَذِب، ألم يقولوا: أعذب الشعر أكذبه؟! والشّهادة على النقيض، فأعذبُ الشهادة أصدقُها.. فكيف يلتقيان؟!
يلتقيان في أمرين، فأمّا الشهادة والشعر فاختِيار واجتِباء، فما كل من مات شهيدًا، ولا كل من قال القصيدة شاعرًا.. هذا الأمر الأوّل؛ وأما الأمر الثاني: فنابِعان من قناعة ومبدأ ورأي، فلا شهادة إلا إذا أقدم عليها صاحب المبدأ، ولا قصيدة إلا إذا قالها صاحب الرأي، والشعر تكثيف لما يجري في الحياة، يُفلسِف الموت، ويأتي الشهيد فيطبّق تلك الفلسفة.
والشعراء الشهداء في تاريخنا الإنسانيّ عدد غير قليل، فإذا كان القتل دفاعًا عن الرأي والفكر والمبدأ شهادة؛ فابن المُقفّع وعليّ بن الجهم وصالح بن عبد القُدّوس والمتنبي ولسان الدين بن الخطيب والحلاج شهداء.
والشهداء من الشعراء المُقلّين أو المغمورين في مجال الشعر ينفلتون من الحصر، وليس هذا موضع ذِكرهم، ولا بأس من أن نذكر أن الدكتور عبد العزيز الرّنتيسيّ، الذي استُشهِد بالأباتشي في غزّة – كما تمنّى- كان شاعرًا، وقد رثى شهيدًا سبقه هو يحيى عيّاش، بقوله:
عـيـَّاش حيٌّ لا تـقـُل عـيّـَاش ماتْ .. أَوَهَلْ يجِفّ النيل أَو نهـر الفرات؟
يـا سَــعْــدَ أُمٍّ أرضـعـتْــك لَـبَـانـهـا .. فـغدتْ بِيحيى شـامةً في الأمّـَهـاتْ
الـيـومَ يـا يـحـيى ســتـنهـض أُمَّــةٌ .. وتثور تنفض عن كواهلها السُّباتْ
وأنا عامد في هذه المقالة إلى الوقوف عند شاعرَين شهيدَين تركا بصمة في كليهما؛ الشعر والشهادة.. فأما الأول، فالصحابي الجليل عبد الله بن رواحة، وأما الثّاني فعبد الرحيم محمود في العصر الحديث.
عبد الله بن رواحة: صوت الإيمان والإصرار
وعبد الله بن رواحة لا يُنسى موقفُه في اثنتين، الأولى في بداية خروج جيش المسلمين من المدينة قاصدًا أرض مؤتة من الأردنّ ليؤدّب الروم، الذين قتلوا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروة بن عمرو الجذاميّ.. حين مضى الجيش ينفّذ أمر قائده، كان عبد الله يعرف أنّه لن يعود حيًّا، فقال أبياته التي تعبّر عن إيمان عميق ويقين ثابت:
لكنَّـني أســأل الرحـمنَ مغـفـرةً .. وضربةً ذات فرغ تقذف الزَّبَدا
أَو طعـنةً بِيَـدي حَـرّانَ مُجـهِزَةً .. بِحَـربَةٍ تُنـفِـذ الأَحشـاءَ والكَبِـدا
حتى يُقال إِذا مرّوا على جدثي .. أرشده الله من غـازٍ وقد رَشَـدا
والموقف الثّاني أنّه حين قُتِل صاحباه الصّحابيّان الجليلان زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب تأخّر عن الإقدام قليلاً، فقدّمه شِعرُه، ونهض به وحمّسه قولُه:
أقـسـمــتُ يا نفــس لتَـنْـزِلِـنَّهْ .. لَـتَــنْــزِلِـنَّ أو لَــتُـكْــرَهِــنَّــهْ
هل أنتِ إلّا نُـطْـفَةٌ في شَـنَّـةْ .. قد أَجْلَبَ الناسُ وَشَدُّوا الرَّنَّةْ
فـطالـما قـد كـنـتِ مُـطـمئـنَّة .. ما لي أَراكِ تكرهـين الجَـنَّةْ
ثم أتبعَ القسمَ بالحقيقة، على خلافٍ في صِحّة نسبة الشعر إليه قائلاً له أو مُتمثّلاً به:
يـا نفـس إِلا تُقـتـلي تمـوتي .. هذا حِمام الموت قد صَلِيتِ
ومـا تَمنَّـيْـتِ فقـد أُعْـطيـتِ .. إِنْ تفـعـلي فِـعْـلهما هُـديـتِ
وإِن تأخَّـرْتِ فـقـد شَـقـيـتِ..
وقد صدق اللهَ فَصَدَقه، وما يُخلّد الرَّجلَ خيرٌ من موقف صادق ثابت.
عبد الرحيم محمود: شهيد الوجدان والتضحية
وأمّا الشّاعر الثاني الذي كان شِعرُه صورةَ جِهاده ونِضاله فهو الشّاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، فقد كان لديه استشراف للمستقبل، حين قال أمام الأمير سعود بن عبد العزيز ولي عهد المملكة السعودية عام 1935م:
يـا ذا الأمـيـر أمـام عـيـنـك شــاعــر ضُمَّت على الشكوى المريرة أَضْلُعه
الــمسـجـد الأقـصى أجـئْـتَ تـزوره؟ أَم جئـتَ من قـبـل الـضـياع تُودِّعـه؟
حَــرمٌ تُــبــــاح لــكـــلِّ أَوكــعَ آبِـــق ولــكـــلِّ أَفّـــاقٍ شَــــريـــدٍ أربُــعُــهْ
وغـــدًا ومــا أدنـاه، لا يـبـقى ســوى دمــعٍ لــنــا يَهْــمَي وَسِـنٍّ نَـقْــرعــه
وقد صدق في كل حرف قاله، فما حلّ اليوم بالأقصى من الضياع والاحتلال والتهويد والحرق والتدمير، لم يُبقِ لنا دمعًا لكي نذرفه عليه لوعةً، ولا سِنًّا لكي نقرعه عليه ندمًا!
وقد كان له استشرافٌ كذلك لموته شهيدًا، حين أدرك أنّ صراعنا مع اليهود الغاصبين صراع وجود، فقال قصيدته التي أوّلُها:
سأحمل روحي على راحتي وَأُلقي بها في مهاوي الردى
فإمّـا حـيـاة تسُــرُّ الصـديـق وإمّـا مـمـات يَـغـيـظ العِـدى
ونفس الشـريف لها غايتـان وُرُودُ الـمنايا ونَـيْـلُ الـمُـنى
وقد كان يرى مصرعه حقًّا، ولكنه كان يسير إليه بشجاعة ورباطة جأش وثقة، فقال:
لَعَمْرُكَ إني أرى مَصْرعي ولكـنْ أَغــذُّ إلـيـه الـخُـطـا
وصدق حين سال دمه على التراب شهيدًا في معركة الشجرة مع الصهاينة عام 1948م، ووهب جسده الطاهر طعامًا للطيور الجارحة:
أَرى مَقتَلي دون حَقّي السليب ودون بـلادي هـو الـمُـبـتَـغـى
وجسْـمٌ تجـدَّل فـوق الهـضاب تَـنــاوشُــهُ جـارحـات الــفــلا
فَـمِنْـه نصيـبٌ لِأُسْـد السـمـاء ومـنـه نصـيـب لِأُسْـدِ الشرى
ولقد سقيتَ بلادَنا أيها الشهيد من دمك فأنبتَتْ رياحين ودحانين حملتْ إلينا شذاها ريحُ الصّبا، كما قلت:
كسا دَمُه الأَرضَ بالأُرْجُوان وأثـقلَ بالعـطر ريـح الصَّـبا
أيمن العتوم
تابعنا على حساباتنا
مقالات أخرى
الإجابة على سؤال: لماذا طوفان الأقصى الآن؟
تسلّط هذه المقالة الضوء على سلسلة من الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى ومحاولات تهويد مدينة القدس، بما في ذلك تقرير حادثة "طوفان الأقصى"، وكيف كانت هذه الحادثة تعبّر عن تصاعد التوترات والاعتداءات الصهيونية. الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى: من الاحتلال إلى...
صمت الفيفا والمعايير المزدوجة
تسلّط هذه المقالة الضوء على انتهاكات الكيان الصهيوني في قطاع غزة، خاصة فيما يتعلق بالمجال الرياضي والتحديات التي يواجهها الرياضيون في هذا السياق. انتهاكات الكيان الصهيوني لحقوق الإنسان في غزة: الرياضة تحت الهجوم ارتكب الكيان الصهيوني كل أنواع جرائم الحرب، وانتهك كل...
الشهيد الساجد
تميزت غزة بشهدائها البواسل الذين قدموا أرواحهم فداءً لأرضهم وعزتهم. يعكس هذا المقال حكاية الشهيد تيسير أبو طعيمة واللحظات البطولية التي عاشها، فكيف كان يواجه تحديات الحياة والموت بروح الصمود والتضحية؟ تيسير أبو طعيمة: صورة بطولية تحفز على التضحية والصمود في وجه الظلم...





0 تعليق